ابتكار سعودي لمراقبة الإجهاد الحراري
صاحبة الابتكار: رزان الرشيدي
يتعرض أكثر من 2.4 مليار عامل حول العالم سنويًا لمخاطر الإجهاد الحراري، ما يتسبب في نحو 22.8 مليون إصابة مهنية وآلاف الوفيات كل عام، بحسب تقرير لمنظمة العمل الدولية. وتزداد هذه المخاطر إلحاحًا في القطاعات الصناعية والإنشائية وقطاع الطاقة، حيث يعمل العمال لساعات طويلة تحت أشعة الشمس المباشرة أو في مواقع عالية الحرارة والرطوبة، سواء في مواقع الإنشاءات والمصافي والبتروكيماويات، أو في مصانع الحديد والصلب القريبة من مصادر حرارة عالية. وتتجاوز أهمية هذا التحدي بيئات العمل وحدها، فهو يظهر بصورة أوسع في المناسبات الكبرى كموسم الحج، ففي حج عام 2024 سُجّلت درجات حرارة بلغت 51.8 درجة مئوية في المسجد الحرام، وأُعلن رسميًا عن 1,301 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة، أغلبها بين الحجاج غير المصرح لهم الذين لم يحصلوا على مرافق تبريد. وعزّزت الجهات السعودية جهودها لحماية الحجاج من مخاطر الحرارة، وأظهرت المؤشرات الأولية لحج عام 2025 انخفاضًا في حالات الوفاة المرتبطة بالحرارة مقارنة بالعام السابق، ما يؤكد أهمية الاستمرار في تطوير حلول تقنية تدعم هذه الجهود.

مخاطر الإجهاد الحراري في بيئات العمل
غالبًا ما تتطور أعراض الإجهاد الحراري تدريجيًا، بدءًا من الإرهاق والدوخة وصولًا إلى ضربة الشمس، دون أن ينتبه لها العامل أو المشرف في الوقت المناسب. ويصعب على أخصائيي الصحة والسلامة المهنية متابعة الحالة الصحية لكل عامل بشكل فردي ومستمر، خاصة في المواقع الميدانية الواسعة أو التي تضم أعدادًا كبيرة من العمال يعملون في نوبات متفرقة وأماكن متباعدة. وتترتب على هذه الفجوة في المتابعة تكاليف صحية واقتصادية، تتمثل في تراجع الإنتاجية وارتفاع معدلات الإصابات والغياب عن العمل.
حل تقني يراقب ويُنبّه قبل وقوع الخطر
السوار الذكي ابتكار سعودي صُمم لمراقبة الإجهاد الحراري لدى العمال بشكل مستمر ولحظي. يقيس السوار عددًا من المؤشرات البيئية والحيوية المرتبطة بالإجهاد الحراري، ويرسل البيانات إلى تطبيق مخصص لأخصائيي الصحة والسلامة المهنية، يتيح لهم تحليل الحالة الصحية لكل عامل وتوقع المخاطر قبل تفاقمها، بدلًا من الاعتماد على الملاحظة اليدوية أو ردة الفعل بعد وقوع الحادثة.
تصميم يناسب بيئات العمل الصناعية
صُمم السوار ليتحمل ظروف العمل الميداني القاسية، فهو مقاوم للماء والغبار والزيوت، ما يجعله ملائمًا للاستخدام في مواقع الإنشاءات والمصافي ومحطات الطاقة والبيئات الصناعية المكشوفة. كما رُوعي في تصميمه أن يكون خفيفًا ومريحًا للارتداء طوال ساعات العمل، ومتوافقًا مع معدات الوقاية الشخصية الأخرى، دون أن يعيق حركة العامل أو أداءه لمهامه.
سجل صحي رقمي لكل عامل
يعمل السوار كسجل صحي رقمي مستقل لكل عامل، بحيث تُبنى قاعدة بيانات فردية تساعد في متابعة النمط الصحي للعامل عبر الوقت، ما يدعم اتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن جداول العمل والراحة في الظروف الحارة، ويمنح المنشأة رؤية شاملة عن مستوى المخاطر في مواقعها المختلفة.
كما يرسل السوار تنبيهات استباقية بصرية واهتزازية للعامل نفسه عند اقتراب مؤشرات الخطر، ما يتيح له التوقف أو طلب المساعدة مبكرًا، إلى جانب تنبيه المشرفين عبر التطبيق لاتخاذ الإجراء المناسب في الوقت المناسب.
دعم منظومة السلامة داخل المنشآت
لا تقتصر قيمة السوار على المراقبة الفردية، بل يساعد أيضًا في تعزيز ثقافة السلامة داخل المنشأة، وتوفير بيانات موثقة تدعم برامج الوقاية من أمراض الحرارة، وتقييم فعالية إجراءات الراحة وتبريد المواقع. ويمكن للمنشآت تطبيق المنتج من خلال برامج تجريبية محددة، وقياس أثره على معدلات الإصابات المرتبطة بالحرارة والغياب عن العمل، قبل تعميم استخدامه على فرق العمل الميدانية.
معايير عالمية واعتراف مؤسسي
صُمم السوار بما ينسجم مع المبادئ والممارسات المعتمدة من جهات ومؤسسات عالمية رائدة في مجال السلامة والصحة المهنية، منها إدارة السلامة والصحة المهنية الأمريكية (OSHA)، والمؤتمر الأمريكي لأخصائيي الصحة الصناعية الحكوميين (ACGIH)، ومؤسسة مهنية مثل IOSH. وقد نوقش هذا الابتكار وحظي بإشادة في مؤتمر GOSH7 (المؤتمر العالمي السابع للسلامة والصحة المهنية) المنعقد في الرياض، كما حظي بعرض وشرح مباشر لمعالي وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية المهندس أحمد الراجحي، رئيس مجلس إدارة المجلس الوطني للسلامة والصحة المهنية. وحظي الابتكار أيضًا باهتمام إعلامي محلي، حيث استضافت منصة “أحداث السعودية” مقابلة تناولت فكرة المنتج وتفاصيله.
قيمة مضافة تتجاوز المراقبة التقنية
يحمل هذا الابتكار قيمة مضافة تتجاوز الجانب التقني، إذ يسهم في توطين تقنيات السلامة المهنية محليًا، ويدعم أهداف الاستدامة من خلال حماية رأس المال البشري في القطاعات الحيوية. كما يمثل نقلة نوعية في مفهوم السلامة المهنية، من التعامل مع الإجهاد الحراري كرد فعل بعد وقوعه، إلى نهج وقائي استباقي يمنع حدوثه من الأساس. وتنعكس هذه القيمة في أثر مباشر وملموس على المنشآت، يتمثل في خفض عدد الحوادث والإصابات المرتبطة بالحرارة، وتقليل حالات العجز المهني الناتجة عنها، وخفض التكاليف المرتبطة بالعلاج والتعويضات وتوقف العمل.
ابتكار سعودي لحماية العامل في بيئات العمل الحارة
يعكس هذا الابتكار قدرة الحلول السعودية على معالجة تحديات حقيقية في بيئات العمل الصناعية والإنشائية، ويجمع بين حماية صحة العامل وتمكين أخصائيي السلامة المهنية من اتخاذ قرارات مبنية على بيانات، بما يدعم بناء بيئات عمل أكثر أمانًا واستدامة في المناطق الحارة. ويظل استخدام السوار جزءًا من منظومة متكاملة تشمل التدريب، وإجراءات العمل الآمن، وتقييم المخاطر، ومعدات الوقاية الشخصية، ومتطلبات السلامة المعتمدة لدى كل منشأة.

